
لم أبدأ من قاعة الدرس، بل من المصنع. وقبل أن أقف أمام طلبة، وقفتُ أمام آلاتٍ لا يعنيها ما نويت، بل ما فهمت. وهناك تعلَّمتُ لماذا نُعلِّم.
أعدُّ نفسي معلِّمًا وطالباً ومُمكِّنًا، بهذا الترتيب. والترتيبُ مقصود: أُعلِّم، وأنا أنتظر أن أتعلَّم. كتب باولو فريري أنه ما من أحدٍ يُعلِّم أحدًا، وما من أحدٍ يُعلِّم نفسه، وإنما يتعلَّم الناس بعضهم من بعض. ومن دَرَّس في مختبرٍ هندسيّ يعرف أنّ هذا ليس كلامًا عاطفيًّا، بل وصفٌ لما يجري في القاعة فعلًا.
وُجِد هذا المركز لأنّ القاعة نفسها تتغيَّر. فمساقاتُنا صار بعضُها على الشبكة، وأدواتُنا صار فيها الذكاء الاصطناعيّ، وطلبتُنا صاروا يستخدموت تقنيةً تُنتج لهم عملًا لم يتعلَّموا بعدُ كيف يُنجزونه.
ولذلك أقولها صريحةً: الآلةُ التي تُنجز المهمّة عن الطالب لم تُعلِّمه شيئًا. كان التلقينُ يملأ رأسَ الطالب بما لم يفهمه، وصار في وسعه اليوم أن يملأ دفترَه بما لم يكتبه. أن تحصل على الجواب شيء، وأن تتعلَّم شيءٌ آخر؛ وعملُنا أن نُصمِّم للثاني.
وهذا عملٌ تطبيقيّ لا شعارات فيه: نبني مساقاتٍ مدمجةً تطلب من أهلها جهدًا، ونُساند أعضاء هيئة التدريس، فما حسَّنت تقنيةٌ يومًا مساقًا لا يؤمن به مُدرِّسه، ونقيس ما تعلَّمه الطلبة لا مقدار رضاهم، ونُحاكم الذكاء الاصطناعيّ إلى ما نُحاكم إليه أيَّ أداةٍ أخرى: أيجعل صاحبَه أقدر، أم يجعل العملَ يختفي وحده؟
وكتب فريري عن الأمل أيضًا: لا التفاؤل الذي ينتظر، بل الأملُ الذي يعمل. وآخذ هذا على محمل الجِدّ. فجامعاتُنا لا ينقصها أصحابُ القدرة، وإنما تنقصها الظروفُ التي تتراكم فيها القدرة. وبناءُ هذه الظروف هو المهمّة كلُّها، ولأجلها وُجِد هذا المركز.
البابُ مفتوح. تعالوا نختلف و نعلم بعضنا.
قتادة ضمرة
مدير مركِز التَّعلم الإلكترونيّ وتَطوير الأداء الأكاديميّ